محمد بن وليد الطرطوشي

403

سراج الملوك

عَظِيمٍ ، وعن هذا قال الشيوخ : إنّ اللّه سبحانه دعا الخلق إلى حسن الخلق ، ودعا نبيه صلى اللّه عليه وسلم من حسن الخلق . قال عبيد اللّه بن عمير : قلت لعائشة أم المؤمنين : صفى لي خلق رسول الله ، صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت لي : أما تقرأ القرآن ؟ : « كان خلقه القرآن » « 1 » وحسبك بهذا القول منقبة للرسول ، صلى اللّه عليه وسلم وتعريفا لك بحسن الخلق ، فإذا كان خلق النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن ، فالقرآن يجمع كلّ فضيلة ويحثّ عليها ، وينهى عن كل نقيصة ورذيلة ، ويوضحها ويبيّنها . ولذلك لما أنزل اللّه تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما هذا يا جبريل ؟ قال : إن اللّه تعالى يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطى من حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك » « 2 » فهذا من حسن الخلق كما ترى ، فانظر أين أخلاق العامة من هذا النّمط ؟ وإن أحدهم يقطع من وصله ، ويحرم من أعطاه ، ويظلم من سالمه ، ويغضب على من اتهمه . وإنما اقتصر على هذه الكلمات ، لأنها أصول الفضائل وينبوع المناقب لأن في أخذ العفو : صلة القاطع ، والصفح عن الظالم ، وإعطاء المانع ، وفي الأمر بالمعروف : تقوى الله ، وصلة الرحم ، وصون اللسان ، وغض الطرف عن المحرمات ، وفي تقوى اللّه يدخل جميع آداب الشرع ، فرضها ونفلها ، وفي الإعراض عن الجاهلين الصفح والحلم ، وفتوة النفس عن مماراة السفيه ، ومجاراة اللحوح ، فهذه الأصول الثلاثة تتضمّن محاسن الشرع نصا وتنبيها وضمنا واعتبارا . وروى أنس ، قيل : يا رسول الله : أي المؤمنين أفضل ؟ قال : « أحسنهم خلقا » « 3 » .

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده ومسلم وأبو داود عن عائشة والحديث صحيح ( الجامع الصغير - رقم 6831 ] . ( 2 ) الحديث : رواه القرطبي في معرض تفسيره للآية : خُذِ الْعَفْوَ . . . وقال رواه سفيان بن عيينة عن الشعبي وذكر الحديث ج 7 / رقم 345 ص 219 . ( 3 ) الحديث : رواه ابن ماجة والحاكم في المستدرك عن ابن عمر بلفظ ( أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا ) والحديث صحيح . ( الجامع الصغير 1293 ) ، ورواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة بلفظ ( أكمل المؤمنين . . . ) والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 1440 ص 51 ) .